أشرقت الشمس ذات صباح , لتنعكس بأشعتها الذهبية على بلاد تكريت , وامتد ضياؤها على وجه دجلة , ليظهر صفاء النهر وروعة زرقته , سطيح الأيادي أمير تلك البلاد كان يقف أعلى قلعته التي تقبع على كتف النهر , فوق ذلك التل الذي يكاد يكون جبلا , يتابع المنظر من حوله و يتأمل قرص الشمس , التي تعانق بجدائلها الذهبية أشجار الكروم , وبساتين الحمضيات , وحقول الحنطة والشعير والسمسم على امتداد تلك الحقول التي تكسو ضفتي النهر, ليكلم نفسه تارة ويخاطب من حوله تارة أخرى ….
- هكذا أشرقت بوجهك شمس الحرية من جديد , وعاد إليك بهاؤك وغضاضة زرعك , أيتها الأرض المعطاء الخصبة , وأنت أيها النهر الخالد , كم اختلط لون الدم بلون مائك , ألان وقد عاد إليك لون زرقتك المعهودة , وعاد كل شيء ينبض فيك من جديد الحياة والحرية والجمال …
كان يزفر أنفاسه الممزوجة بهموم والآم الماضي , ويقولها متناغمة مع خطواته المتثاقلة …
- وأنت أيتها القلعة العتيدة , كم قاومت الغزاة والطامعين , و كم حوصرت على امتداد الزمن , دون أن يطول سرك احد , أو يخترق أسوارك أو يعتلي أبراجك غزاة , وما اقتحم أبوابك فارس ورفع رايته منتصرا , فكل من فكر باقتحام أسوارك تحطمت أطماعه عند أعتابك , وتحطمت صواري سفنه على شاطئك ؟
وسار بعض خطوات ليقف في زاوية تطل مباشرة على الجهة الجنوبية للمدينة , راح ينظر إلى مساكنها وأحيائها , متأملا أزقتها وأسواقها وباحاتها الواسعة …
- لقد تمكّنا أخيرا من طرد فلول الحاقدين , وهزمنا جيش الفرس شر هزيمة , لقد ساعدنا أصدقاؤنا الروم في طرد المحتلين عن أرضنا وبلادنا الخضراء ؟
كانت عيناه لا تزالان تتابعان امتداد معسكر الروم البيزنطي , الممتدة خيامهم مع سور القلعة بمحاذاة النهر جنوبا وحتى غابات الكروم أسفل التل الجنوبي للمدينة ,
وتجول في صدره صرخة الم واسى , وتنتابه غصّة في قلبه كلما نظر باتجاه جيش الروم الذي يعسكر إلى جواره , حسرة في صدر حاكم مدينة , تأخذه الحيرة والقلق نحو متاهات التفكير , بل ربما ضعف التدبير .
- كلا ليسوا بأصدقاء ولا محررين , بل هم محتلون وفاتحون جدد , ولكن على طريقتهم , طريقة الشيطان لا غيرها , لعبة لا يجيد التزييف والكذب فيها إلا الروم , وأظن أنهم سوف يكشفون عمّا قريب عن نياتهم الخبيثة في محاولة السيطرة على القلعة والكنيسة , ولكن هيهات لهم أن يطولوها بأيديهم أو يمسوها بأقل سوء , سأكون لهم بالمرصاد وسأعمل مع فرسان المدينة على صد ريحهم العاتية , ثم نهزمهم شر هزيمة إذا ما فكروا يوما بذلك , فنحن قبيلتي أياد وتغلب , كانت لآبائنا كرة في معركة ذي قار, فنحن أبناء أولئك الرماة , الذين عرفوا بدقة التسديد بالنبل , وقوة الضرب بالأسياف , كان آباؤنا أهل شجاعة ودهاء , وقد ورثنا عنهم لعبة الحرب , ثم لن ننسى ذلك العام الأسود , الذي فتك فيه الجدب والقحط بقبائلنا حتى دب فيها الضعف والوهن ومكن للظالم سابور بن اردشير وبمساعدة بعض الإعراب من أن يطعن قبيلتينا في الصميم ثم ليهجّرهما في ما بعد إلى بلاد تكريت , وفي هذه البلاد الطيبة تمكن آباؤنا من السيطرة على شؤون الحياة وحكم المدينة والقلعة , ثم راحوا يزيدون في تحصيناتها العسكرية , ويعمرون مساكنها , ويزرعون أراضيها , وقبائل النمر والسريان العرب كانوا خير نزيل لنا إذ يجمعنا معهم حب المدينة وحب الحياة بسلام على أرضها المسورة , والتي تحميها عناية الله ثم شجاعة فرسانها من أبناء القبائل التي تقطنها .
ثم تزداد العظمة في صدره , بعد أن تغريه الكثرة , وما اتحدت عليه قبائل إياد وتغلب وبكر

























